فصل: تفسير الآية رقم (6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (5):

{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5)}
{ليُدْخلَ الْمُؤْمنيَن وَالمُؤْمنَت جَنَّات تَجْري منْ تَحْتهَا الأنْهَارُ خَالدينَ فيهَا} متعلق بما يدل عليه ما ذكر من كون جنود السموات والأرض له جل شأنه من معنى التصرف والتدبير، وقد صرح بعض الأفاضل بانه كناية عنه أي دبر سبحانه ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله تعالى في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة فالعلة في الحقيقة معرفة النعمة وشكرها لكنها لما كانت سببًا لدخول الجنة أقيم المسبب مقام السبب.
وقيل: متعلق بفتحنا، وقيل: بانزل، وتعلقه بذلك مع تعلق اللام الأخرى به مبني على تعلق الأول به مطلقًا والثاني مقيدًا وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين وإلا فلا يتعلق بعامل واحد حرفًا جر عنى واحد من غير اتباع، وقيل: متعلق بينصرك، وقيل: بيزداد، وقيل: بجميع ما ذكر إما على التنازع والتقدير أو بتقدير ما يشمل ذلك كفعل سبحانه ما ذكر ليدخل إلخ، وقيل: هو بدل من ليزداد بدل اشتمال فإن ادخال المؤمنين والمؤمنات الجنة وكذا ما عطف عليه مستلزم لزيادة الإيمان وبدل الاشتمال يعتمد على ملابسة ما بين المبدل والمبدل منه بحيث يشعر أحدهما بالآخر غير الكلية والبعضية، ولعل الأظهر الوجه الأول، وضم المؤمنات هاهنا إلى المؤمنين دفعا لتوهم اختصاص الحكم بالذكور لأجل الجهاد والفتح على أيديهم، وكذا في كل موضع يوهم الاختصاص يصرح بذكر النساء، ويقال نحو ذلك فيما بعد كذا قيل: واخرج ابن جرير. وجماعة عن أنس قال: «أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] في مرجعه من الحديبية فقال: لقد أنزلت على آية هي أحب إلى مما على الأرض ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله قد بين الله تعالى لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} حتى بلغ {فوزًا عظيمًا}».
{وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} أي يغطيها ولا يظهرها، والمراد يمحوها سبحانه ولا يؤاخذهم بها، وتقديم الادخال في الذكر على التكفير مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلوب إلا على كذا قال غير واحد، ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة على أن المعنى يدخلهم الجنة ويغطي سيآتهم ويسترها عنهم فلا تمر لهم ببال ولا يذكرونها أصلًا لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم، وقد مر مثل ذلك.
{وَكَانَ ذلك} أي ما ذكر من الادخال والتكفير {عِندَ فَوْزًا عَظِيمًا} لا يقادر قدره لأنه منتهى ما تمتد إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر، و{عَندَ الله} حال من {فَوْزًا} لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها أعربت حالًا، وكونه يجوز فيه الحالية إذا تأخر عن {عَظِيمًا} لاضير فيه كما توهم أي كائنًا عند الله تعالى أي في علمه سبحانه وقضائه جل شأنه، والجملة اعتراض مقرر لما قبله.

.تفسير الآية رقم (6):

{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)}
وقوله تعالى: {وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} عطف على {يدخل} [الفتح: 5] أي وليعذب المنافقين إلخ لغيظهم من ذلك، وهو ظاهر على جميع الأوجه السابقة في {لّيُدْخِلَ} حتى وجه البدلية فإن بدل الاشتمال تصححه اللابسة كما مر، وازدياد الإيمان على ما ذكرنا في تفسيره مما يغيظهم بلا ريب، وقيل: إنه على هذا الوجه يكون عطفًا على المبدل منه، وتقديم المنافقين على المشركين لأنهم أكثر ضررًا على المسلمين فكان في تقديم تعذيبهم تعجيل المسرة.
{الظانين بالله ظَنَّ السوء} أي ظن الأمر الفاسد المذموم وهو أنه عز وجل لا ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل: المراد به ما يعم ذلك وسائر ظنونهم الفاسدة من الشرك أو غيره {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دَائِرَةُ السوء} بالضم، والفرق بينه وبين {السوء} بالفتح على ما في الصحاح أن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر عنى المساءة.
وقال غير واحد: هما لغتان عنى كالكره والكره عند الكسائي وكلاهما في الأصل مصدر غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جري مجري الشر، ولما كانت الدائرة هنا محمودة وأضيفت إلى المفتوح في قراءة الأكثر تعين على هذا أن يقال: إن ذاك على تأويل انها مذمومة بالنسبة إلى من دارت عليه من المنافقين والمشركين واستعمالها في المكروه أكثر وهي مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل، وإضافتها على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة، وفي الكشف الإضافة عنى من على نحو دائرة ذهب فتدبر.
والكلام إما اخبار عن وقوع السوء بهم أو دعاء عليهم، وقوله تعالى: {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} عطف على ذلك، وكان الظاهر فلعنهم فأعد بالفاء في الموضعين لكنه عدل عنه للإشارة إلى أن كلا من الأمرين مستقل في الوعيد به من غير اعتبار للسببية فيه {وَسَاءتْ مَصِيرًا} جهنم.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)}
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض} ذكر سابقًا [الفتح: 4] على أن المراد أنه عز وجل المدبر لأمر المخلوقات قتضى حكمته فلذلك ذيل بقوله تعالى: {عَلِيمًا حَكِيمًا} وههنا أريد به التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم ولذا ذيل بقوله تعالى: {وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا} فلا تكرار كما قال الشهاب، وقيل: إن الجنود جنود رحمة وجنود عذاب، والمراد به هنا الثاني كام ينبئ عنه التعرض لوصف العزة.

.تفسير الآية رقم (8):

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8)}
{إِنَّا أرسلناك شاهدا} أي على امتك لقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] وأخرج عبد بن حميد. وابن جرير. عن قتادة شاهدًا على أمتك وشاهدًا على الأنبياء عليهم السلام أنهم قد بلغوا {وَمُبَشّرًا} بالثواب على الطاعة {وَنَذِيرًا} بالعذاب على المعصية.

.تفسير الآية رقم (9):

{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)}
{لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته كقوله سبحانه: {يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء} [الطلاق: 1] وهو من باب التغليب غلب فيه المخاطب على الغيب فيفيد أن النبي عليه الصلاة والسلام مخاطب بالإيمان برسالته لأمة وهو كذلك، وقال الواحدي: الخطاب في {أرسلناك} [الفتح: 8] للنبي صلى الله عليه وسلم وفي {لّتُؤْمِنُواْ} لأمته فعلى هذا إن كان اللام للتعليل يكون المعلل محذوفًا أي لتؤمنوا بالله وكيت وكيت فعل ذلك الإرسال أو للأمر على طريقة {فبذلك فلتفرحوا} [يونس: 58] على قراءة التاء الفوقانية فقيل هو على معنى قل لهم: لتؤمنوا إلخ، وقيل: هو للأمة على أن خطابه صلى الله عليه وسلم منزل منزلة خطابهم فهو عينه ادعاء، واللام متعلقة بأرسلنا، ولا يعترض عليه بما قرره الرضى وغيره من أنه يمتنع أن يخاطب في كلام واحد اثنان من غير عطف أو تثنية أو جمع لأنه بعد التنزيل لا تعدد، وجوز أن يكون ذلك لأنهم حينئذ غير مخاطبين في الحقيقة فخطابهم في حكم الغيبة، وقيل: الامتناع المذكور مشروط بأن يكون كل من المخاطبين مستقلًا أما إذا كان أحدهما داخلا في خطاب الآخر فلا امتناع كما يعلم من تتبع كلامهم، وحينئذ يجوز أن يراد خطاب الأمة أيضًا من غير تغليب، والكلام في ذلك طويل وما ذكر سابقًا سالم عن القال والقيل {وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ} أي تنصروه كما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا وأخرجه جماعة عن قتادة، والضمير لله عز وجل، ونصرته سبحانه بنصره دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم {وَتُوَقّرُوهُ} أي تعظموه كما قال قتادة وغيره، والضمير له تعالى أَيضًا، وقيل: كلا الضميرين للرسول صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عباس، وزعم بعضهم أنه يتعين كون الضمير في {تعزروه} للرسول عليه الصلاة والسلام لتوهم أن التعزير لا يكون له سبحانه وتعالى كما يتعين عند الكل كون الضمير في قوله تعالى: {وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ} لله سبحانه وتعالى، ولا يخفى أن الأول كون المضيرين فيما تقدم لله تعالى أيضًا لئلا يلزم فك الضمائر من غير ضرورة أي وتنزهوا الله تعالى أو تصلوا له سبحانه من السبحة {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} غدوة وعشيا، والمراد ظاهرهما أو جميع النهار ويكنى عن جيمع الشيء بطرفيه كما يقال شرقًا وغربًا لجميع الدنيا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر، وقرأ أبو جعفر. وأبو حيوة. وابن كثير. وأبو عمرو الأفعال الأربعة أعني لتؤمنوا وما بعده بياء الغيبة، وعن ابن مسعود. وابن جبير كذلك إلا أنهما قرآ {عَبْدُ الله} بالاسم الجليل مكان الضمير، وقرى الجحدري {تعزروه} بفتح التاء الفوقية وضم الزاي مخففًا، وفي رواية عنه فتح الاتء وكسر الزاي مخففًا وروي هذا عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، وقرئ بضم التاء وكسر الزاي مخففًا، وقرأ ابن عباس. ومحمد بن اليماني {تعززوه} بزاءين من العزة أي تجعلوه عزيزًا وذلك بالنسبة إليه سبحانه بجعل دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم كذلك. وقرئ {وَتُوَقّرُوهُ} من أوقره عنى وقره.

.تفسير الآية رقم (10):

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بما عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)}
{إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ} يوم الحديبية على الموت في نصرتك كما روي عن سلمة بن الأكوع وغيره أو على أن لا يفروا من قريش كما روي عن ابن عمر. وجابر رضي الله تعالى عنهم، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى، والمبايعة وقعت قبل نزول الآية فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحال الماضية، وهي مفاعلة من البيع يقال: بايع السلطان مبايعة إذا ضمن بذل الطاعة له بما رضخ له، وكثيرًا ما تقال على البيعة المعروفة للسلاطين ونحوهم وإن لم يكن رضخ، وما وقع للمؤمنين قيل يشير إلى ما في قوله تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ} [التوبة: 111] الآية {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} لأن المقصود من بيعة الرسول عليه الصلاة والسلام وإطاعته إطاعة الله تعالى وامتثال أوامره سبحانه لقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: 80] فمبايعة الله تعالى عنى طاعته سبحانه مشاكلة أو هو صرف مجاز، وقرئ {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ لِلَّهِ} أي لأجل الله تعالى ولوجهه، والمفعول محذوف أي إنما يبايعونك لله {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبايعة، قال في الكشاف لما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} أكده على طريقة التخييل فقال تعالى: {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وانه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما. وفي المفتاح أما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت تابعة لها كما في قولك: فلان بين أنياب المنية ومخالبها ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في {يَدُ الله} إلخ كانت أحسن وأحسن، يعني أن في اسم الله تعالى استعارة بالكناية تشبيهًا له سبحانه وتعالى بالمبايع واليد استعارة تخييلية مع أن فيها أيضاف مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس، وامتناع الاستعارة في اسم الله تعالى إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية لأنه لا يلزم إطلاق اسمه تعالى على غيره سبحانه، وروى الواحدي عن ابن كيسان اليد القوة أي قوة الله تعالى ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله تعالى لك لا بنصرتهم وإن بايعوك.
وقال الزجاج: المعنى يد الله في الوفاء فوق أيديهم أو في الثواب فوق أيديهم في الطاعة أو يد الله سبحانه في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وقيل: المعنى نعمة الله تعالى عليهم بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم وهي مبايعتهم إياك وأعظم منها، وفيه شيء من قوله تعالى: {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للايمان} [الحجرات: 17] وكل ذلك تأويلات ارتكبها الخلف وأحسنها ما ذكر أولًا، والسلف يمرون الآية كما جاءت مع تنزيه الله عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون: إن معرفة حقيقة ذلك فرع معرفة حقيقة الذات وأنى ذلك وهيهات هيهات، وجوز أن تكون الجملة خبرًا بعد خبر لإن، وكذا جوز أن تكون حالًا من ضمير الفاعل في {يُبَايِعُونَكَ} وفي جواز ذلك مع كونها اسمية غير مقترنة بالواو كلام {فَمَن نَّكَثَ} نقض العهد {فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، وروى الزمخشري عن جابر بن عبد الله أنه ما نكث أحد البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقًا، والذي نقله الطيبي عن مسلم يدل على أن الرجل لم يبايع لا أنه بايع ونكث قال: سئل جابر كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر رضي الله تعالى عنه آخذ بيده صلوات الله تعالى وسلامه عليه تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم، ولعل هذا هو الأوفق لظاهر قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ} [الفتح: 18] الآية.
وقرأ زيد بن علي {يَنكُثُ} بكسر الكاف {وَمَنْ أوفى بما عاهد عَلَيْهِ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} هو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقال: وفى بالعهد وأوفى به إذا تممه وأوفى لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: {أَوْفُواْ بالعقود} [المائدة: 1] {والموفون بِعَهْدِهِمْ} [البقرة: 177] وقرئ {ا عاهد} ثلاثيًا.
وقرأ الجمهور {عَلَيْهِ} بكسر الهاء كما هو الشائع وضمها حفص هنا، قيل: وجه الضم أنها هاء هو وهي مضمومة فاستصحب ذلك كما في له وضربه، ووجه الكسر رعاية الياء وكذا في إليه وفيه وكذا فيما إذا كان قبلها كسرة نحو به ومررت بغلامه لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم، وحسن الضم في الآية التوصل به إلى تفخيم لفظ الجلالة الملائم لتخفيم أمر العهد المشعر به الكلام، وأيضًا إبقاء ما كان على ما كان ملائم للوفاء بالعهد وإبقائه وعدم نقضه، وقد سألت كثيرًا من الأجلة وأنا قريب عهد بفتح فمي للتكلم عن وجه هذا الضم هنا فلم أجب بما يسكن إليه قلبي ثم ظفرت بما سمعت والله تعالى الهادي إلى ما هو خير منه، وقرأ ابن كثير. ونافع. وابن عامر. وروح. وزيد بن علي {فسنؤتيه} بالنون.